recent
أخبار ساخنة

نعمة الأمن واجتماع الكلمة

📜 خطبة جمعة رقم ٤٩ — مكتوبة كاملة
نعمة الأمن واجتماع الكلمة
⏱ نحو ١٦ دقيقة • قيمة الأمن وأسباب حفظه ولزوم الجماعة والسمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف والحذر من الشائعات والفتن
📚 فهرس الخطب
نعمة الأمن واجتماع الكلمة

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
[سورة آل عمران: ١٠٢]
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
[سورة النساء: ١]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
[سورة الأحزاب: ٧٠–٧١]

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ الله: إنَّ من أعظم النعم التي لا يعرف قدرها إلا من فقدها: نعمة الأمن والاستقرار؛ أن يأمن الإنسان على نفسه وأهله وماله وعرضه، فينام ملء جفونه، ويخرج إلى عمله ومسجده وسوقه مطمئناً، ويسافر في البلاد آمناً. وقد امتن الله بهذه النعمة على قريش، فقال:

﴿فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ (٣) ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ (٤)﴾
[سورة قريش: ٣–٤]

فقرن نعمة الأمن بنعمة الطعام، بل جعل الأمن مقدماً على الرزق في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، لأنه لا يهنأ أحدٌ بطعامٍ أو شرابٍ أو عبادةٍ مع الخوف.

وقال ﷺ: «من أصبح منكم آمناً في سِربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» رواه الترمذي وحسّنه، فقدَّم الأمن على العافية والقوت.

أيها المؤمنون: إنَّ الأمن نعمةٌ من الله، يمنحها بأسبابٍ، ويسلبها بأسباب. فمن أعظم أسباب الأمن: الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى:

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٥٥)﴾
[سورة النور: ٥٥]

وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

ومن أسباب زوال الأمن: كفر النعم، والإعراض عن شرع الله، وانتشار المعاصي والظلم، كما قال تعالى في القرية التي كانت آمنةً مطمئنة، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

عبادَ الله: ومن أعظم أسباب حفظ الأمن: اجتماع الكلمة، ولزوم الجماعة، ونبذ الفرقة والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال ﷺ: «إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» رواه مسلم وأحمد.

ومن أسباب حفظه: السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، فقد أمر الله بذلك فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾
[سورة النساء: ٥٩]

وقال ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني» متفق عليه. وقال ﷺ: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة» متفق عليه.

فطاعة ولي الأمر في المعروف عبادةٌ يُتقرب بها إلى الله، وبها تجتمع الكلمة، وتُحقن الدماء، وتُحفظ الحقوق، ويستتب الأمن. والنصيحة لهم تكون بالطرق الشرعية الحكيمة، قال ﷺ: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.

أيها المسلمون: وإنَّ في التاريخ القريب والبعيد عبراً لمن يعتبر؛ فكم من بلادٍ كانت آمنةً مطمئنة، فلما دبَّت فيها الفتن والفرقة والفوضى، تحولت إلى ساحاتٍ للقتل والدمار والتشريد، ففقد أهلها الأمن والرزق والدين، وصاروا لاجئين مشردين! فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمة، واحفظوها بطاعة الله وشكره، واجتماع الكلمة.

عبادَ الله: وإنَّ من أعظم ما يهدد أمن المجتمعات في زماننا: الشائعات والأخبار الكاذبة، التي تنتشر في وسائل التواصل انتشار النار في الهشيم، فتثير الخوف، وتزرع الفتنة، وتهز الثقة بين الناس. وقد أدبنا الله بأدبٍ عظيم في التعامل مع الأخبار، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وقال ﷺ: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم.

فلا تنشر خبراً حتى تتثبت من صحته، ولا تنشر ما يثير الفتنة ولو كان صحيحاً، إذا لم تكن في نشره مصلحة، وردوا الأمور إلى أهلها من العلماء وولاة الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].

أيها المؤمنون: ومن أعظم ما يحفظ الأمن: الحذر من الأفكار المتطرفة التي تستبيح الدماء، وتكفِّر المسلمين، وتخرج على الجماعة، فقد حذَّر النبي ﷺ من الخوارج أشد التحذير. ومن أعظم ما يحفظه كذلك: احترام الأنظمة والقوانين التي تحقق المصلحة العامة، كأنظمة المرور، فكم من الأرواح تُزهق بسبب السرعة والتهور وقطع الإشارات واستخدام الهاتف أثناء القيادة!

ومن أعظم ما يحفظه: التربية الصالحة في البيوت، والتعليم النافع في المدارس، والكلمة الصادقة في المنابر ووسائل الإعلام، والتعاون بين المواطن والجهات الأمنية، فكل فردٍ في المجتمع رجل أمن، وحارسٌ على ثغرٍ من ثغوره.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.

عبادَ الله: إنَّ الأمن مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية رجال الأمن وحدهم؛ فكل فردٍ في المجتمع حارسٌ على ثغرٍ من ثغوره. ومن مسؤولياتنا:

  • تربية الأبناء على حب الدين والوطن، وحمايتهم من الأفكار المنحرفة والمتطرفة، ومن دعاة الفتنة والغلو، ومن رفقاء السوء.
  • الحذر من نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي تثير البلبلة، وتزعزع الثقة، وتفرق الصف، قال ﷺ: «كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع» رواه مسلم. فتثبتوا قبل النشر، ولا تكونوا أدواتٍ في أيدي المغرضين.
  • عدم حمل السلاح على المسلمين، أو ترويعهم، قال ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» متفق عليه.
  • التعاون مع الجهات الأمنية، والإبلاغ عن كل ما يهدد أمن المجتمع من جرائم أو مخدرات أو أفكار هدامة.
  • احترام الأنظمة والقوانين التي وُضعت لمصلحة الناس، كأنظمة المرور، فإنَّ الالتزام بها حفظٌ للأنفس.
  • الدعاء لولاة الأمر بالصلاح والتوفيق، فإنَّ صلاحهم صلاحٌ للأمة.

واحذروا من دعاة الفتنة الذين يريدون الفساد في الأرض، ويتسترون بالشعارات البراقة، فإنَّ الله وصفهم بقوله:

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ (٢٠٥)﴾
[سورة البقرة: ٢٠٥]

واعلموا أنَّ من شكر نعمة الأمن: أن نستعملها في طاعة الله، وأن نعمر المساجد، وننشر الخير، ونتراحم فيما بيننا.

اللهمَّ آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهمَّ أدم على بلادنا نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والرخاء والاستقرار، وسائر بلاد المسلمين. اللهمَّ احفظ رجال أمننا، وانصر جنودنا المرابطين على الحدود، واحفظهم بحفظك. اللهمَّ من أرادنا وأراد بلادنا بسوء فاشغله بنفسه، ورد كيده في نحره.

ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.

اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (٢٠١)﴾
[سورة البقرة: ٢٠١]

عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

يجوز للخطباء الاستفادة من هذه الخطبة وإلقاؤها كما هي أو بتصرّف. • تصفّح بقية الخطب من الفهرس
google-playkhamsatmostaqltradent