recent
أخبار ساخنة

صلة الرحم بركة في العمر والرزق

📜 خطبة جمعة رقم ٥ — مكتوبة كاملة
صلة الرحم بركة في العمر والرزق
⏱ نحو ١٦ دقيقة • فضل صلة الأرحام وصورها وعقوبة القطيعة وعلاج أسبابها
📚 فهرس الخطب
صلة الرحم بركة في العمر والرزق

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
[سورة آل عمران: ١٠٢]
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
[سورة النساء: ١]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
[سورة الأحزاب: ٧٠–٧١]

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ الله: لقد افتتح الله سورة النساء بالأمر بتقواه، ثم قرن بها الأمر بتقوى الأرحام، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وهذا يدل على عظم شأن الرحم، وعلو منزلتها في دين الله.

والأرحام هم القرابة من جهة الأب ومن جهة الأم: الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأبناؤهم وبناتهم، وكلما كانت القرابة أقرب كان حقها أوجب.

أيها المؤمنون: لقد اشتق الله للرحم اسماً من اسمه، وتكفل بوصل من وصلها، وقطع من قطعها، قال ﷺ: قال الله تعالى:

«أنا الرحمن، خلقتُ الرحمَ، وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه»
رواه أبو داود والترمذي وصححه

وقال ﷺ: «الرحم معلقةٌ بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» رواه مسلم.

فيا لها من منزلة! من وصل رحمه وصله الله بالرحمة والبركة والتوفيق والإحسان، ومن قطعها قطعه الله، ومن قطعه الله فمن ذا الذي يصله؟!

عبادَ الله: وقد أثنى الله على الواصلين لأرحامهم، وجعل ذلك من صفات أولي الألباب، فقال سبحانه:

﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ (٢١)﴾
[سورة الرعد: ٢١]

ولصلة الرحم ثمراتٌ عاجلة في الدنيا قبل الآخرة؛ فمن ذلك: البركة في العمر والرزق، قال ﷺ:

«مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»
متفق عليه

ومعنى «يُنسأ له في أثره»: يؤخَّر له في أجله، ويبارك له في عمره. فكم نحن بحاجة إلى البركة في أرزاقنا وأعمارنا وأوقاتنا! وها هو النبي ﷺ يدلنا على سببٍ عظيم من أسبابها.

ومن ثمراتها: أنها سببٌ لدخول الجنة، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» متفق عليه.

ومن ثمراتها: مضاعفة أجر الصدقة، قال ﷺ: «الصدقةُ على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقةٌ وصلة» رواه الترمذي وحسّنه.

ومن ثمراتها: محبة الأقارب، وتآلف القلوب، وتماسك الأسرة، وقوة المجتمع، فإنَّ المجتمع يتكون من أسر، فإذا تماسكت الأسر قوي المجتمع، وإذا تفككت ضعف وتمزق.

أيها المسلمون: وفي المقابل فإنَّ قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، ومن أسباب اللعنة والحرمان، قال تعالى:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَـٰرَهُمْ (٢٣)﴾
[سورة محمد: ٢٢–٢٣]

وقال سبحانه:

﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)﴾
[سورة الرعد: ٢٥]

وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» متفق عليه، يعني قاطع رحم.

بل إنَّ عقوبة القطيعة تُعجَّل في الدنيا قبل الآخرة، قال ﷺ:

«ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّل اللهُ لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدَّخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم»
رواه الترمذي وأبو داود وصححه الترمذي

عبادَ الله: ولصلة الرحم صورٌ كثيرة، تختلف باختلاف الأحوال والأعراف؛ فمنها: الزيارة، والسلام، والاتصال، والسؤال عن الحال، وتفقد المحتاج منهم ومساعدته، وعيادة مريضهم، وتهنئتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أحزانهم، والهدية، والدعوة إلى الطعام، والنصيحة، والدعاء لهم بظهر الغيب، والصفح عن زلاتهم، والإصلاح بينهم إذا اختلفوا.

وقد يسَّرت وسائل التواصل الحديثة الصلة، فلم يعد للمقصِّر عذر؛ فالكلمة الطيبة عبر الهاتف، والرسالة اللطيفة، والسؤال الدائم، كلها من الصلة، وإن كانت الزيارة واللقاء أبلغ وأتم لمن قدر عليها.

عبادَ الله: وتأملوا في سيرة النبي ﷺ مع أرحامه؛ فقد كان يصل أقاربه حتى الذين آذوه وحاربوه، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد الصفا فنادى قريشاً بطناً بطناً، وقال لهم: «غير أنَّ لكم رحماً سأبلُّها ببلالها» رواه مسلم، أي سأصلها بما تستحقه من الصلة.

ولما فتح مكة وتمكن من أهلها الذين أخرجوه وآذوه، وفيهم أقاربه وبنو عمه، عفا عنهم وأحسن إليهم. وكانت خديجة رضي الله عنها تقول له في أول الوحي: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم...» متفق عليه، فكانت صلة الرحم من أبرز صفاته قبل البعثة وبعدها.

أيها المؤمنون: إنَّ صلة الرحم لا تحتاج إلى أموالٍ طائلة ولا إلى أوقاتٍ طويلة، فقد قال ﷺ: «بلُّوا أرحامكم ولو بالسلام» رواه البزار وحسّنه بعض أهل العلم. فالكلمة الطيبة صلة، والسؤال عن الحال صلة، والدعاء بظهر الغيب صلة، والزيارة القصيرة صلة.

ومن الصلة: مراعاة مشاعر الأقارب، والتغافل عن هفواتهم، وعدم كثرة العتاب، والفرح لفرحهم، فإنَّ بعض الناس يصل أقاربه، لكنه يكثر من اللوم والعتاب والتعيير، فيفسد بلسانه ما بناه بزيارته.

ومن الصلة: أن يحرص الكبار على جمع العائلة في المناسبات، وتعليم الصغار أسماء أقاربهم ومنازلهم، حتى تبقى الروابط قويةً جيلاً بعد جيل، فإنَّ النبي ﷺ قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» رواه الترمذي.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.

عبادَ الله: إنَّ الواصل الحقيقي ليس الذي يصل من وصله ويقطع من قطعه، فهذا مكافئ، وإنما الواصل الذي يصل من قطعه، قال ﷺ:

«ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا قُطعت رحمُه وصلها»
رواه البخاري

وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال ﷺ: «لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك» رواه مسلم. والمَلُّ: الرماد الحار، والمعنى: أنَّ ما يلحقهم من الإثم كمن يُطعَم الرماد الحار، وأنت منصورٌ مؤيدٌ من الله.

أيها المؤمنون: إنَّ من أسباب القطيعة في زماننا: الخلافات على الميراث والأموال، والحسد بين الأقارب، والكِبر والتعالي، وكثرة المشاغل، وسماع الوشاة والنمامين، وكثرة العتاب، وتقصير الأغنياء في حق فقراء أرحامهم.

وعلاج ذلك: أن نستحضر عظيم الأجر في الصلة، وخطر القطيعة، وأن نتسامى عن حظوظ النفس، ونبادر بالصلح والعفو، فخيرهم الذي يبدأ بالسلام، وأن نقسم المواريث كما أمر الله، وألا نُصغي إلى من يفسد ذات البين، وأن نخصص من أوقاتنا نصيباً ثابتاً لأرحامنا، ولو قليلاً، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

فبادروا ـ رحمكم الله ـ بصلة أرحامكم، وابدؤوا اليوم، فمن كان بينه وبين قريبٍ له قطيعة فليبادر بالاتصال والزيارة، ولا ينتظر أن يبدأ الآخر، فإنَّ الأجر للسابق، والعاقبة للمتقين.

اللهمَّ اجعلنا من الواصلين لأرحامهم، وأصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واجعلنا إخوةً متحابين فيك. اللهمَّ بارك لنا في أعمارنا وأرزاقنا وأهلينا، وأعذنا من القطيعة والشقاق.

ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.

اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (٢٠١)﴾
[سورة البقرة: ٢٠١]

عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

يجوز للخطباء الاستفادة من هذه الخطبة وإلقاؤها كما هي أو بتصرّف. • تصفّح بقية الخطب من الفهرس
google-playkhamsatmostaqltradent