الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عبادَ الله: إنَّ الإسلام دين عملٍ وإنتاج، لا دين كسلٍ وبطالة، وقد سخَّر الله الأرض للإنسان، وأمره أن يسعى فيها ويعمرها، فقال سبحانه:
وحتى يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، أمر الله المؤمنين بعد أداء الصلاة أن ينتشروا في الأرض طلباً للرزق، فقال:
فجمع بين العبادة والعمل، وبين ذكر الله وابتغاء فضله، فلا رهبانية في الإسلام، ولا انقطاع عن الحياة، بل توازنٌ عجيب، قال تعالى:
أيها المؤمنون: لقد كان الأنبياء عليهم السلام قدوةً في العمل والكسب؛ فقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ آدم كان حراثاً، وأنَّ نوحاً كان نجاراً، وكان داود يصنع الدروع كما أخبر القرآن، ويأكل من عمل يده، وكان زكريا عليه السلام نجاراً كما في صحيح مسلم، وموسى عليه السلام رعى الغنم عشر سنين، ونبينا محمد ﷺ رعى الغنم، ثم اشتغل بالتجارة، قال ﷺ: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه البخاري.
وقال ﷺ: «ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» رواه البخاري.
عبادَ الله: وقد ذمَّ الإسلام البطالة وسؤال الناس من غير حاجة، وحث على العمل مهما كان بسيطاً، قال ﷺ:
وقال ﷺ: «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى» متفق عليه، واليد العليا هي المعطية، والسفلى هي الآخذة. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أنَّ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.
فلا عيب في أي عملٍ حلال، مهما كان متواضعاً، وإنما العيب في البطالة والاتكال على الآخرين، والترفع عن الأعمال الشريفة بحجة أنها لا تليق.
أيها المسلمون: والعمل في الإسلام عبادةٌ إذا صلحت فيه النية، فالرجل الذي يخرج من بيته ليكسب قوت أولاده، ويعف نفسه، ويكفيها عن السؤال، هو في سبيل الله. بل حتى الزراعة والغرس يؤجر عليها المسلم، قال ﷺ: «ما من مسلمٍ يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة» متفق عليه.
عبادَ الله: ولا يكفي في الإسلام أن يعمل الإنسان، بل يجب أن يتقن عمله ويحسنه، فإنَّ الله أتقن كل شيءٍ صنعه، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، ويحب من عباده الإتقان، قال ﷺ: «إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» رواه أبو يعلى والطبراني وحسّنه الألباني. وقال ﷺ: «إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء» رواه مسلم.
والإتقان يعني: أن يؤدي العامل عمله على أكمل وجه، في وقته المحدد، بأمانةٍ وإخلاص، سواء رآه رئيسه أم لم يره، لأنه يعلم أنَّ الله يراه، قال تعالى:
فالطبيب يتقن تشخيصه وعلاجه، والمهندس يتقن تصاميمه، والمعلم يتقن تدريسه، والعامل يتقن صنعته، والموظف يتقن معاملاته، والطالب يتقن دراسته. وبالإتقان تتقدم الأمم، وتُبنى الأوطان، ويحصل الرزق المبارك. وأما الغش في العمل والتهاون فيه، فهو خيانةٌ للأمانة، وسببٌ للفساد والتخلف.
عبادَ الله: وإنَّ من أعظم ما ينبغي أن يتحلى به العامل والموظف: الإتقان، فقد قال ﷺ: «إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» رواه أبو يعلى والطبراني، وحسّنه بعض أهل العلم. فالمعلم الذي يتقن تدريسه، والطبيب الذي يتقن علاجه، والمهندس الذي يتقن بناءه، والعامل الذي يتقن صنعته، كلهم في عبادةٍ لله إذا احتسبوا.
ومن أخلاق العمل: الالتزام بالمواعيد، وأداء العمل في وقته، وعدم الغياب أو التأخير بلا عذر، فإنَّ الراتب الذي يأخذه الموظف مقابل وقتٍ محدد، فإن ضيَّع هذا الوقت فقد أخذ ما لا يستحق.
ومن أخلاقه: الأمانة في حفظ أسرار العمل وأدواته وأمواله، وعدم استغلال المنصب للمصالح الشخصية، وحسن التعامل مع المراجعين، وقضاء حوائجهم دون مماطلة، فقد قال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به» رواه مسلم.
أيها المؤمنون: واحذروا من البطالة والكسل، والاعتماد على الآخرين، ومد اليد بالسؤال لغير حاجة، فقد قال ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» رواه البخاري.
وإذا ضاقت عليك أبواب الرزق، فلا تيأس، وابحث عن الأسباب، وتعلم المهارات، وتوكل على الله، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.
عبادَ الله: إنَّ للعمل حقوقاً وواجبات متبادلة بين العامل وصاحب العمل؛ فمن واجبات العامل: الأمانة، والإتقان، والمحافظة على الوقت، وحفظ أسرار العمل وممتلكاته، وعدم استغلال الوظيفة لمصالح شخصية.
ومن حقوق العامل: أن يُعطى أجره كاملاً في وقته، دون مماطلةٍ أو بخس، وألا يُكلَّف فوق طاقته، وأن يُعامل بالاحترام والرحمة. وقد توعَّد الله من ظلم الأجير، فقال في الحديث القدسي: «ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» رواه البخاري.
ويا شباب الإسلام: إنَّ الوظيفة ليست الطريق الوحيد للرزق، فأبواب الرزق كثيرة: في التجارة، والحرف، والمهن، والمشاريع الصغيرة، والزراعة، والصناعة، والتقنية. فلا تنتظروا الوظيفة وأنتم قاعدون، بل ابحثوا عن الفرص، وطوروا مهاراتكم، وتوكلوا على الله، وخذوا بالأسباب، فإنَّ المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير.
واعلموا أنَّ العمل لا يجوز أن يُلهي عن طاعة الله، ولا أن يُضيِّع الصلاة، فقد أثنى الله على رجالٍ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنَّ الرزق مكتوب، فاسعوا في طلبه بالحلال، ولا تستعجلوه بالحرام.
وأبشروا بقوله تعالى:
اللهمَّ ارزقنا رزقاً حلالاً طيباً، وبارك لنا في أعمالنا وأرزاقنا، وأعنا على إتقان أعمالنا وأداء أماناتنا. اللهمَّ أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، ووفق العاطلين من أبناء المسلمين إلى أعمالٍ نافعة ورزقٍ واسع.
ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.
اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.
عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
