recent
أخبار ساخنة

الحج: رحلة العمر إلى بيت الله

📜 خطبة جمعة رقم ٢٤ — مكتوبة كاملة
الحج: رحلة العمر إلى بيت الله
⏱ نحو ١٦ دقيقة • فرضية الحج وفضله ودروسه وآدابه وتعظيم شعائر الله
📚 فهرس الخطب
الحج: رحلة العمر إلى بيت الله

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
[سورة آل عمران: ١٠٢]
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
[سورة النساء: ١]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
[سورة الأحزاب: ٧٠–٧١]

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ الله: إنَّ من رحمة الله بعباده أن جعل لهم بيتاً يقصدونه، تهوي إليه أفئدتهم، وتشتاق إليه أرواحهم، يجتمعون فيه من كل فجٍّ عميق، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم، يلبُّون نداءً واحداً، ويعبدون رباً واحداً، ويقفون موقفاً واحداً. إنه بيت الله الحرام، أول بيتٍ وُضع للناس، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ (٩٦)﴾
[سورة آل عمران: ٩٦]

وقد فرض الله حجه على المستطيع من عباده مرةً في العمر، فقال سبحانه:

﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٩٧)﴾
[سورة آل عمران: ٩٧]

وقال ﷺ: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» رواه مسلم. فالحج ركنٌ من أركان الإسلام، من جحده كفر، ومن تركه مع القدرة عليه تهاوناً فقد عرَّض نفسه لخطرٍ عظيم.

أيها المؤمنون: لقد أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بعد أن بنى البيت أن يؤذن في الناس بالحج، فقال:

﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ (٢٨)﴾
[سورة الحج: ٢٧–٢٨]

فما زالت هذه الدعوة تتردد عبر القرون، وما زالت جموع الحجيج تلبيها، قادمةً على الأقدام وعلى كل وسيلة، يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

عبادَ الله: وللحج فضائل عظيمة، فمنها:

  • أنه من أفضل الأعمال، سُئل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمانٌ بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور» متفق عليه.
  • أنه جهادٌ للنساء والضعفاء، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكنَّ أفضل الجهاد حجٌّ مبرور» رواه البخاري.
  • أنه يغسل الذنوب، قال ﷺ:
«من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»
متفق عليه
  • أنَّ جزاءه الجنة، قال ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة» متفق عليه.
  • أنه ينفي الفقر والذنوب، قال ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد والذهب والفضة» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

والحج المبرور هو الحج الخالص لوجه الله، الموافق لسنة النبي ﷺ، الذي لا يخالطه إثم، من نفقةٍ حلال، مع حسن الخلق مع الناس، والبعد عن الرفث والفسوق والجدال، قال تعالى:

﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ (١٩٧)﴾
[سورة البقرة: ١٩٧]

أيها المسلمون: إنَّ في الحج دروساً عظيمة، فمنها:

أولاً: تحقيق التوحيد، فالتلبية شعار التوحيد، والطواف بالبيت والسعي والوقوف والرمي كلها عبادات لله وحده، لا يُعبد فيها أحدٌ سواه.

ثانياً: المساواة بين الناس، فالجميع في لباسٍ واحد، يقفون في صعيدٍ واحد، لا فرق بين غنيٍّ وفقير، ولا بين ملكٍ ومملوك، ولا بين عربيٍّ وأعجمي، إلا بالتقوى.

ثالثاً: تذكر الآخرة، فلباس الإحرام يذكِّر بالكفن، والزحام في عرفة يذكِّر بالموقف العظيم يوم القيامة، حين يقف الناس حفاةً عراةً غرلاً.

رابعاً: الاتباع، فقد قال ﷺ: «لتأخذوا مناسككم» رواه مسلم، فالحاج يتعلم أنَّ العبادة توقيفية، وأنَّ الخير كله في اتباع النبي ﷺ.

خامساً: تعظيم شعائر الله، قال تعالى:

﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ (٣٢)﴾
[سورة الحج: ٣٢]

عبادَ الله: وتأملوا في قصة الحج كيف تعيد إلى الأذهان قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام؛ فهاجر حين تركها إبراهيم بوادٍ غير ذي زرع، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. رواه البخاري. فسعت بين الصفا والمروة تطلب الماء لابنها، فجعل الله سعيها شعيرةً يسعى فيها الحجاج والمعتمرون إلى يوم القيامة، وفجَّر لها زمزم، فكانت بركةً للأمة كلها.

فالحج يعلمنا الثقة بالله، والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب، وأنَّ الله لا يضيع من أطاعه.

أيها المؤمنون: ومن آداب الحج: إخلاص النية لله، والتوبة من الذنوب قبل السفر، ورد المظالم، وقضاء الديون، وكتابة الوصية، واختيار النفقة الحلال، والرفقة الصالحة، وتعلم أحكام المناسك قبل الشروع فيها، والرفق بالناس وعدم إيذائهم بالزحام والمدافعة، والصبر على المشقة، وحفظ اللسان من الرفث والفسوق والجدال.

ومن لم يتيسر له الحج، فإنَّ الله قد فتح له أبواباً من الخير يشارك بها الحجاج في الأجر؛ كصيام يوم عرفة الذي يكفِّر سنتين، والإكثار من الذكر والتكبير في العشر، والأضحية، وإعانة من يريد الحج من الفقراء.

ومن كان قادراً على الحج ولم يحج فليبادر، ولا يؤخره، فإنَّ الإنسان لا يدري ما يعرض له، والعمر يمضي، والصحة تتغير، والموانع تكثر.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.

عبادَ الله: إنَّ من كان قادراً على الحج ولم يحج فليبادر، ولا يسوِّف، فإنه لا يدري ما يعرض له من مرضٍ أو عجزٍ أو موت، قال ﷺ: «تعجَّلوا إلى الحج ـ يعني الفريضة ـ فإنَّ أحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد.

ومن أراد الحج فليستعد له بالتوبة النصوح، وردِّ المظالم إلى أهلها، وقضاء الديون، وكتابة الوصية، واختيار النفقة الحلال، والرفقة الصالحة، وتعلُّم أحكام المناسك قبل السفر، حتى يؤدي حجه على الوجه الصحيح.

وليلتزم بالأنظمة والتعليمات التي تضعها الجهات المختصة لتنظيم الحج، كالحصول على التصريح، واتباع مواعيد التفويج، فإنَّ ذلك من طاعة ولي الأمر في المعروف، ومن التعاون على البر والتقوى، وفيه حفظٌ لأرواح الحجاج وسلامتهم، ورفعٌ للحرج والمشقة عنهم.

وليحسن الحاج إلى إخوانه الحجاج، ويصبر على الزحام، ويتجنب الأذى بالقول والفعل، فإنَّ الحج ليس ميداناً للمخاصمة والتدافع، بل هو ميدانٌ للتراحم والإيثار.

ومن لم يتيسر له الحج هذا العام فليحتسب النية، فإنَّ الله يكتب له أجر ما نوى، وليغتنم ما شرع الله من الأعمال الفاضلة في أيام العشر، ويوم عرفة الذي يكفِّر صيامه سنتين، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في حديثٍ رواه مسلم.

وقد قال ﷺ: «ما من يومٍ أكثر من أن يُعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة» رواه مسلم.

اللهمَّ ارزقنا حج بيتك الحرام، وزيارة مسجد نبيك عليه الصلاة والسلام. اللهمَّ اجعل حج الحجاج مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وردهم إلى أهلهم سالمين غانمين. اللهمَّ احفظ حجاج بيتك، ويسِّر لهم مناسكهم، واجزِ القائمين على خدمتهم خير الجزاء.

ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.

اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (٢٠١)﴾
[سورة البقرة: ٢٠١]

عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

يجوز للخطباء الاستفادة من هذه الخطبة وإلقاؤها كما هي أو بتصرّف. • تصفّح بقية الخطب من الفهرس
google-playkhamsatmostaqltradent