recent
أخبار ساخنة

الظلم ظلمات يوم القيامة

📜 خطبة جمعة رقم ٢٠ — مكتوبة كاملة
الظلم ظلمات يوم القيامة
⏱ نحو ١٧ دقيقة • تحريم الظلم وأنواعه وصوره المعاصرة وعاقبة الظالمين ودعوة المظلوم
📚 فهرس الخطب
الظلم ظلمات يوم القيامة

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
[سورة آل عمران: ١٠٢]
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
[سورة النساء: ١]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
[سورة الأحزاب: ٧٠–٧١]

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ الله: إنَّ العدل أساس الملك، وإنَّ الظلم مؤذنٌ بخراب العمران، وقد حرَّم الله الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرَّماً، فقال في الحديث القدسي:

«يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تظالموا»
رواه مسلم

فالله سبحانه وهو المالك لكل شيء، القادر على كل شيء، حرَّم الظلم على نفسه تفضلاً منه وعدلاً، قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾
[سورة النساء: ٤٠]

فكيف يستحل الظلمَ عبدٌ ضعيفٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟!

أيها المؤمنون: والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو أنواع: ظلم العبد لربه بالشرك به، وهو أعظم الظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وظلم العبد لنفسه بالمعاصي والذنوب. وظلم العبد لغيره من الناس، بالاعتداء على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم أو حقوقهم. وهذا النوع الأخير لا يُغفر حتى يُرد الحق إلى صاحبه، أو يعفو عنه.

وقد حذَّر النبي ﷺ من الظلم أشد التحذير، فقال: «اتقوا الظلم، فإنَّ الظلم ظلماتٌ يوم القيامة» رواه مسلم. ظلماتٌ يتخبط فيها الظالم يوم يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم.

عبادَ الله: ولا يغترَّ الظالم بإمهال الله له، فإنَّ الله يمهل ولا يهمل، قال سبحانه:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ (٤٢)﴾
[سورة ابراهيم: ٤٢]

وقال ﷺ:

«إنَّ الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته» ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
متفق عليه

وكم في التاريخ من ظالمٍ طغى وتجبر، ثم أخذه الله أخذ عزيزٍ مقتدر، فصار عبرةً لمن يعتبر! فهذا فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، أغرقه الله في اليم، وهذا قارون الذي بغى على قومه، خسف الله به وبداره الأرض.

أيها المسلمون: ومن أخطر ما يكون: أن يأتي العبد يوم القيامة بحسناتٍ كثيرة، ثم تذهب كلها بسبب مظالم الناس، قال ﷺ:

«أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إنَّ المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار»
رواه مسلم

فما أشد خسارة هذا الإنسان! صلى وصام وزكى، ثم خسر كل ذلك بظلمه للناس. بل إنَّ القصاص يوم القيامة يشمل حتى البهائم، قال ﷺ: «لتؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» رواه مسلم.

عبادَ الله: وللظلم صورٌ كثيرة في حياتنا، قد يستهين بها بعض الناس، فمنها:

  • أكل أموال الناس بالباطل، بالغش أو السرقة أو الرشوة أو جحد الحقوق أو المماطلة في سداد الديون، قال ﷺ: «مَطْلُ الغني ظلم» متفق عليه.
  • الاعتداء على الأراضي والعقارات، قال ﷺ: «من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين» متفق عليه.
  • ظلم العمال والأجراء، بتأخير رواتبهم، أو بخسهم حقوقهم، أو تكليفهم ما لا يطيقون، وقد قال ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
  • ظلم الزوجة بالضرب أو الإهانة أو التقصير في النفقة، أو ظلم الزوج بالتقصير في حقوقه.
  • ظلم الأولاد بالتفريق بينهم في العطية والمعاملة، وظلم البنات في الميراث.
  • ظلم الأيتام بأكل أموالهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
  • الظلم بالكلمة، بالغيبة والقذف والسخرية ونشر الإشاعات الكاذبة.

عبادَ الله: وإنَّ من صور الظلم التي يغفل عنها كثيرٌ من الناس: ظلم العمال والأُجراء، بتأخير رواتبهم، أو بخسهم حقوقهم، أو تكليفهم ما لا يطيقون، وقد قال ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» رواه ابن ماجه وصححه الألباني. وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: «ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «ورجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» رواه البخاري.

ومن صور الظلم: ظلم الزوجة بالضرب والإهانة وأكل مالها وحرمانها من حقوقها، وظلم الأبناء بالتفريق بينهم في العطية، فقد قال ﷺ: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه. وظلم البنات والأخوات بحرمانهن من الميراث، وهو من أكل أموال الناس بالباطل، ومن تعدي حدود الله التي قال فيها بعد آيات المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.

ومن صور الظلم: الاعتداء على الأراضي والممتلكات، فقد قال ﷺ: «من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين» متفق عليه.

ومن صوره: ظلم النفس بالمعاصي، وهو أن يعرِّضها العبد لسخط الله وعقابه، فإنَّ المعصية ظلمٌ للنفس قبل أن تكون ظلماً لغيرها.

أيها المؤمنون: إنَّ الظالم قد يمهله الله، لكنه لا يهمله، قال ﷺ: «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ متفق عليه. فمن وقع في شيءٍ من الظلم فليبادر بالتوبة، وليرد الحقوق إلى أهلها، وليتحلل منهم اليوم، قبل أن يكون القصاص بالحسنات والسيئات.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.

عبادَ الله: اتقوا دعوة المظلوم، فإنها مستجابة، ولو كان المظلوم فاجراً أو كافراً، قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» متفق عليه.

وقد قال بعض السلف:

لا تظلمنَّ إذا ما كنتَ مقتدراً *** فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ

تنامُ عيناك والمظلوم منتبهٌ *** يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

فيا من ظلم أحداً: بادر بالتوبة، ورد المظالم إلى أهلها، أو تحلَّلهم منها في الدنيا، قبل أن يأتي يومٌ لا دينار فيه ولا درهم، قال ﷺ: «من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلَّله منه اليوم، قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه» رواه البخاري.

ومن واجب المسلمين أن يقفوا في وجه الظلم بالحكمة، فينصروا المظلوم، ويأخذوا على يد الظالم، قال ﷺ: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تأخذ فوق يديه» رواه البخاري؛ أي تمنعه من الظلم، فذلك نصره.

وأما المظلوم فليصبر وليحتسب، وليأخذ بالأسباب المشروعة في استرداد حقه، وليعلم أنَّ الله ناصره، وأنَّ حقه لن يضيع، فإن لم يأخذه في الدنيا أخذه في الآخرة كاملاً غير منقوص. وإن عفا وأصلح فأجره على الله.

اللهمَّ إنا نعوذ بك أن نَظلم أو نُظلم، أو نجهل أو يُجهل علينا. اللهمَّ أعنا على أداء الحقوق إلى أهلها، وتحلُّل المظالم قبل لقائك. اللهمَّ انصر المظلومين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المستضعفين من المسلمين في كل مكان.

ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.

اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (٢٠١)﴾
[سورة البقرة: ٢٠١]

عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

يجوز للخطباء الاستفادة من هذه الخطبة وإلقاؤها كما هي أو بتصرّف. • تصفّح بقية الخطب من الفهرس
google-playkhamsatmostaqltradent