الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عبادَ الله: إنَّ الوقت هو رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو عمره الذي يمضي ولا يعود، وقد أقسم الله به في مواضع كثيرة من كتابه؛ فأقسم بالفجر، والضحى، والليل، والنهار، والعصر، تنبيهاً على عظم شأنه، فقال سبحانه:
قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل الله حجةً على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. فكل إنسانٍ خاسر يمضي عمره سدى، إلا من استغل وقته في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.
أيها المؤمنون: إنَّ الإنسان لم يُخلق عبثاً، ولم يُترك سدى، قال تعالى:
وقد جعل الله تعاقب الليل والنهار فرصةً للعمل والتذكر، فقال:
فمن فاته عملٌ في الليل استدركه في النهار، ومن فاته في النهار استدركه في الليل.
وقد كان السلف أحرص الناس على أوقاتهم، قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومٌ ذهب بعضك. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي.
عبادَ الله: وسوف يُسأل الإنسان يوم القيامة عن عمره وشبابه، قال ﷺ: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وماذا عمل فيما علم» رواه الترمذي.
وعند الموت وفي الآخرة يتمنى المفرطون لو رجعوا ليعملوا، ويستقلون أعمارهم الطويلة، قال تعالى:
وقال سبحانه موبخاً أهل النار: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
أيها المسلمون: إنَّ مرحلة الشباب أثمن مراحل العمر، فهي مرحلة القوة والنشاط والعطاء، وقد خص النبي ﷺ الشاب الذي ينشأ في طاعة الله بمنزلةٍ عظيمة، فجعله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وشابٌّ نشأ في عبادة الله».
وقد حمل الشباب راية الإسلام منذ فجر الدعوة؛ فأصحاب الكهف كانوا شباباً، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وعلي بن أبي طالب أسلم وهو صبي، ومصعب بن عمير كان أول سفيرٍ في الإسلام إلى المدينة وهو شاب، وأسامة بن زيد قاد جيشاً فيه كبار الصحابة وهو دون العشرين، وزيد بن ثابت كان كاتب الوحي وجامع القرآن وهو شاب، وعبد الله بن عباس صار حبر الأمة وترجمان القرآن وهو في ريعان شبابه.
فيا شباب الإسلام: أنتم أمل الأمة وعدتها، فاغتنموا شبابكم في طاعة الله، وطلب العلم النافع، وبناء مستقبلكم، وخدمة دينكم ووطنكم، وبر والديكم، قبل أن يأتي يومٌ تقولون فيه: ليت الشباب يعود يوماً.
عبادَ الله: إنَّ من أسباب ضياع الأوقات في زماننا: الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية ووسائل التواصل، حتى صار كثيرٌ من الناس يقضي فيها الساعات الطوال يومياً، يتنقل بين المقاطع والأخبار والتعليقات دون فائدة! ومنها: السهر الطويل على غير طاعة، ومجالس اللغو والقيل والقال، والتسويف وتأجيل الأعمال، وعدم وجود هدفٍ واضح في الحياة، وصحبة البطالين الذين لا همَّ لهم.
وقد قال ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» رواه الترمذي وحسّنه. فاترك ما لا يعنيك، واشتغل بما ينفعك في دينك ودنياك.
عبادَ الله: وتأملوا في نماذج الشباب في تاريخ الإسلام؛ فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنهما يؤمِّره النبي ﷺ على جيشٍ فيه كبار الصحابة، وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره. وهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه يبعثه النبي ﷺ إلى اليمن معلماً وقاضياً وهو شاب، ويقول عنه: «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» رواه الترمذي وصححه. وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم لغة اليهود في أيامٍ معدودة بأمر النبي ﷺ، ثم يكون كاتب الوحي، ويجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وهذا الإمام الشافعي رحمه الله يحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ويُفتي وهو شاب. وهذا محمد الفاتح يفتح القسطنطينية وهو في الحادية والعشرين من عمره.
أيها الشباب: إنكم أمل الأمة وعدتها، وإنَّ أعداءكم يعلمون ذلك، فيحاولون إشغالكم بالتوافه، وإغراقكم في الشهوات والملهيات، وتضييع أوقاتكم أمام الشاشات ساعاتٍ طويلة بلا فائدة. فكونوا على وعي، واجعلوا لأنفسكم أهدافاً عالية، وخططاً واضحة، في دينكم ودنياكم.
ومن الوسائل العملية لاغتنام الوقت: أن تضع لنفسك جدولاً يومياً يجمع بين العبادة والعلم والعمل والراحة، وأن تحدد وقتاً لاستخدام الهاتف ووسائل التواصل، وأن تحفظ كل يومٍ شيئاً من القرآن ولو آيات، وأن تقرأ كل يومٍ صفحاتٍ من كتابٍ نافع، وأن تتعلم مهارةً تنفعك في حياتك، وأن تصاحب الأخيار الذين يعينونك على الخير.
واعلموا أنَّ الوقت الضائع لا يعود، وأنَّ الحسرة على تضييعه تكون شديدةً يوم القيامة، حين يتمنى الإنسان لو رجع ليعمل صالحاً فيما ترك.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.
عبادَ الله: كيف نغتنم أوقاتنا؟ إنَّ ذلك يكون بأمور، منها:
- ترتيب الأولويات: فتقدَّم الفرائض، ثم الواجبات تجاه الأهل والعمل، ثم النوافل والمباحات النافعة.
- التخطيط والتنظيم، بأن يكون للمسلم برنامجٌ يومي: وردٌ من القرآن، ووقتٌ للأذكار، ووقتٌ للعمل، ووقتٌ للأسرة، ووقتٌ للقراءة والتعلم، ووقتٌ للراحة المباحة.
- المبادرة وعدم التسويف، قال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم، وقال: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم» رواه مسلم.
- استثمار الأوقات البينية، كأوقات الانتظار والتنقل، في الذكر والاستغفار والتلاوة والاستماع إلى ما ينفع.
- الانتقال من عملٍ صالح إلى آخر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ [سورة الشرح: ٧–٨].
- اختيار الصحبة الجادة النافعة.
- تذكُّر أنَّ الوقت يمضي ولا يعود، وأنَّ كل دقيقةٍ تمر تقربنا من آجالنا.
وحتى في آخر لحظات الدنيا، يعلِّمنا النبي ﷺ ألا نتوقف عن العمل النافع، فيقول: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.
فاتقوا الله يا عباد الله، واغتنموا أعماركم قبل أن تنقضي، وحاسبوا أنفسكم: كم ساعةً قضيناها اليوم في طاعة الله؟ وكم ساعةً ضاعت في اللهو والغفلة؟ فإنَّ العمر قصير، والسفر طويل، والزاد قليل.
اللهمَّ بارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، واجعلها عامرةً بطاعتك، وأعذنا من العجز والكسل. اللهمَّ احفظ شبابنا وشباب المسلمين، واهدهم سواء السبيل، واجعلهم قرة أعينٍ لآبائهم وأمهاتهم، ونفعاً لدينهم وأوطانهم.
ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.
اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.
عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
