الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عبادَ الله: إنَّ المجتمع المسلم مجتمعٌ متراحم متكافل، لا ينسى ضعفاءه، ولا يتخلى عن محتاجيه، بل يحيطهم بالرعاية والعناية، ويرى في الإحسان إليهم قربةً إلى الله، وسبباً للرزق والنصر والبركة.
ومن أولى الضعفاء بالرعاية: اليتيم، ذلك الطفل الذي فقد أباه، فقد الحنان والعطف والرعاية والنفقة، وقد كان نبينا ﷺ يتيماً، مات أبوه قبل أن يولد، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، فآواه الله، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضحى: ٦]، ثم أوصاه:
أيها المؤمنون: لقد جاءت آيات القرآن الكريم بالوصية باليتيم في مواضع كثيرة، وجعلت إكرامه من علامات الإيمان، والإساءة إليه من علامات التكذيب بالدين، فقال سبحانه:
وأنكر الله على من لا يكرم اليتيم، فقال:
وجعل إطعام اليتيم والمسكين من الأعمال التي يقتحم بها العبد العقبة يوم القيامة، فقال:
وأثنى على الأبرار الذين يطعمون الطعام مع حاجتهم إليه، فقال:
عبادَ الله: ولكافل اليتيم منزلةٌ عالية في الجنة، قال ﷺ:
فيا لها من منزلة! أن تكون جار النبي ﷺ في الجنة. وكفالة اليتيم تشمل: الإنفاق عليه، وتربيته، وتعليمه، والإحسان إليه، والعطف عليه، سواء كان من الأقارب أو من غيرهم. ومن لم يستطع كفالة يتيمٍ في بيته، فيمكنه أن يكفله عبر الجهات الخيرية الموثوقة.
والإحسان إلى اليتيم يلين القلب القاسي، فقد شكا رجلٌ إلى النبي ﷺ قسوة قلبه، فقال: «إن أردتَ أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» رواه أحمد وحسّنه بعض أهل العلم.
أيها المسلمون: وفي المقابل، فقد شدَّد الإسلام في حق مال اليتيم، وتوعَّد آكليه ظلماً، فقال سبحانه:
وقال ﷺ: «اللهم إني أُحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» رواه النسائي وابن ماجه وحسّنه النووي، أي: أُلحق الحرج والإثم بمن ضيع حقهما. فليتق الله الأوصياء على أموال الأيتام، وليحفظوها وينمُّوها لهم، وليسلموها إليهم كاملةً إذا بلغوا الرشد.
عبادَ الله: ومن الضعفاء الذين أوصى الإسلام بهم: الأرملة التي فقدت زوجها، والمسكين الذي لا يجد ما يكفيه، فقد جعل النبي ﷺ السعي في حاجتهم كالجهاد في سبيل الله، فقال:
عبادَ الله: وتأملوا في رحمة النبي ﷺ باليتامى والضعفاء؛ فقد كان هو نفسه يتيماً، مات أبوه قبل ولادته، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، فآواه الله بجده ثم بعمه، فكان أرحم الناس باليتيم. وقد قال الله تعالى له: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩-١٠].
وجاءه رجلٌ يشكو قسوة قلبه، فقال له ﷺ: «إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» رواه أحمد وحسّنه الألباني.
وكان ﷺ يعتني بالضعفاء من الخدم والعمال، ويوصي بهم، فقال: «إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» متفق عليه.
وكانت امرأةٌ سوداء تقمُّ المسجد، فماتت، ففقدها النبي ﷺ، فسأل عنها، فقالوا: ماتت، فقال: «أفلا كنتم آذنتموني؟ دلوني على قبرها»، فدلوه فصلى عليها. متفق عليه.
أيها المؤمنون: ومن صور العناية بالضعفاء في زماننا: كفالة الأيتام في الجمعيات الموثوقة، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وتسهيل أمورهم، وزيارة المرضى في المستشفيات، والإحسان إلى كبار السن في دور الرعاية وفي البيوت، ومساعدة الأرامل والمطلقات في نفقاتهن، وإعانة العمال الوافدين وإنصافهم.
واعلموا أنَّ الله يرحم الرحماء، وأنَّ النصر والرزق مرتبطان بالعناية بالضعفاء، كما قال ﷺ: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟» رواه البخاري.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.
عبادَ الله: إنَّ الضعفاء في المجتمع ليسوا عبئاً عليه، بل هم سببٌ للرزق والنصر، قال ﷺ: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم» رواه البخاري، وفي رواية: «ابغوني الضعفاء، فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم» رواه أبو داود والترمذي وصححه. وذلك بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم.
فلا تحتقروا ضعيفاً، فربَّ أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه، كما قال ﷺ في صحيح مسلم.
ومن الضعفاء الذين يجب الإحسان إليهم:
- كبار السن، بتوقيرهم، وخدمتهم، والصبر عليهم، وعدم إهمالهم.
- المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، بعيادتهم والتخفيف عنهم.
- ذوو الاحتياجات الخاصة، بتسهيل أمورهم، واحترام حقوقهم، وعدم السخرية منهم، وتمكينهم من التعليم والعمل، وتوفير الأماكن المخصصة لهم في المساجد والطرق والمواقف، واحترامها.
- العمال الضعفاء والخدم، بإعطائهم حقوقهم، وعدم إرهاقهم.
- الغرباء والمسافرين المنقطعين.
فلنكن يا عباد الله يداً حانيةً على هؤلاء، ولنتفقد في أحيائنا وأقاربنا من فقد عائله، ومن ضاقت به الحال، ولنجعل لهم نصيباً من أموالنا وأوقاتنا ودعائنا، ولنعلِّم أبناءنا الرحمة بهم واحترامهم، فإنَّ المجتمع الذي يرحم ضعفاءه يرحمه الله.
اللهمَّ ارحم الأيتام واجبر كسرهم، وأغنِ الأرامل والمساكين من فضلك، واشفِ المرضى، وارحم كبار السن، وأعن ذوي الاحتياجات، واجعلنا مفاتيح للخير، عوناً للضعفاء، ساعين في حوائج المحتاجين. اللهمَّ اجعلنا ممن يرافق نبيك ﷺ في الجنة بكفالة الأيتام.
ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.
اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.
عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
