recent
أخبار ساخنة

ذكر الله حياة القلوب وطمأنينة النفوس

📜 خطبة جمعة رقم ١٦ — مكتوبة كاملة
ذكر الله حياة القلوب وطمأنينة النفوس
⏱ نحو ١٧ دقيقة • فضل الذكر وثمراته وأفضل الأذكار وأذكار اليوم والليلة وخطر الغفلة
📚 فهرس الخطب
ذكر الله حياة القلوب وطمأنينة النفوس

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
[سورة آل عمران: ١٠٢]
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
[سورة النساء: ١]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
[سورة الأحزاب: ٧٠–٧١]

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ الله: إنَّ القلب يحيا ويموت، ويمرض ويصح، ويقسو ويلين، وإنَّ أعظم ما يحيي القلوب ويلينها ويشفيها ذكرُ الله تعالى. فالذكر للقلب كالماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! قال ﷺ:

«مثلُ الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثلُ الحيِّ والميت»
رواه البخاري

فالذاكر حيُّ القلب وإن كان قليل المال، والغافل ميت القلب وإن ملك الدنيا بأسرها.

وقد أمر الله المؤمنين بالإكثار من ذكره، فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾
[سورة الأحزاب: ٤١–٤٢]

ولم يأمر الله بالإكثار من شيءٍ كما أمر بالإكثار من ذكره، لأنه عبادةٌ يسيرة لا تحتاج إلى طهارة ولا إلى مكان ولا إلى زمان، يستطيعها القائم والقاعد، والماشي والمضطجع، والصحيح والمريض.

أيها المؤمنون: إنَّ للذكر فضائل عظيمة، وثمرات جليلة، فمنها:

أولاً: أنه سببٌ لطمأنينة القلب وسكينة النفس، قال تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)﴾
[سورة الرعد: ٢٨]

وفي زمنٍ كثرت فيه الهموم والقلق والاكتئاب، يحتاج الناس إلى هذا العلاج الرباني، فلا راحة للقلب إلا بذكر خالقه.

ثانياً: أنَّ الله يذكر من ذكره، قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال في الحديث القدسي:

«أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم»
متفق عليه

فيا لها من منزلة! أن يذكرك ملك الملوك في الملأ الأعلى.

ثالثاً: أنه خير الأعمال وأزكاها، قال ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٍ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله تعالى» رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم.

رابعاً: أنَّ الذاكرين هم السابقون، قال ﷺ: «سبق المفرِّدون» قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» رواه مسلم. وقد أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً، كما قال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].

خامساً: أنه حصنٌ من الشيطان؛ فالشيطان يوسوس إذا غفل العبد، ويخنس إذا ذكر الله، ولذلك سُمي الوسواس الخناس.

عبادَ الله: ومن أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس» رواه مسلم.

وقال ﷺ:

«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»
متفق عليه

وقال ﷺ: «من قال: سبحان الله وبحمده، في يومٍ مائة مرة، حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» متفق عليه.

وقال ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، في يومٍ مائة مرة، كانت له عدلَ عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي» متفق عليه.

وقال لأبي موسى رضي الله عنه: «ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» متفق عليه.

فأي تجارةٍ أربح من هذه؟ كلماتٌ يسيرة تقولها في دقائق، وأنت في سيارتك أو عملك أو بيتك، فتنال بها هذه الأجور العظيمة!

عبادَ الله: ومن أعظم الذكر: الاستغفار، فقد أمر الله به في مواضع كثيرة، ورتب عليه خيراتٍ عظيمة، فقال على لسان نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠-١٢]. فالاستغفار سببٌ لنزول المطر، وكثرة المال والولد، والبركة في الأرض.

وكان النبي ﷺ يكثر من الاستغفار، قال ابن عمر رضي الله عنهما: «إن كنا لنعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم» رواه أبو داود والترمذي وصححه.

وعلَّمنا ﷺ سيد الاستغفار، فقال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» رواه البخاري.

ومن أعظم الذكر كذلك: الصلاة على النبي ﷺ، فمن صلى عليه صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً، كما في صحيح مسلم، وهي سببٌ لكفاية الهموم ومغفرة الذنوب.

أيها المؤمنون: واعلموا أنَّ أفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، فليس المقصود تحريك اللسان مع غفلة القلب، بل أن يستحضر الذاكر معاني ما يقول، فيعظم ربه بقلبه، ويحمده ويسبحه ويستغفره وهو حاضر القلب، فذلك الذكر الذي يحيي القلوب، ويرفع الدرجات.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.

عبادَ الله: إنَّ من الذكر ما هو مقيدٌ بأوقاتٍ وأحوال، ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه، كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار أدبار الصلوات، وأذكار دخول المنزل والخروج منه، ودخول المسجد والخروج منه، وأذكار الأكل والشرب، والركوب والسفر، فهي حصنٌ حصين للمسلم بإذن الله، تحفظه في يومه وليلته من كل سوء.

وقد أثنى الله على أولي الألباب الذين يذكرونه في كل أحوالهم، فقال:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٩١)﴾
[سورة آل عمران: ١٩١]

أيها المؤمنون: واحذروا من الغفلة عن ذكر الله، فإنها داءٌ عظيم، قال تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٩)﴾
[سورة المنافقون: ٩]

وقال سبحانه:

﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ (٣٦)﴾
[سورة الزخرف: ٣٦]

وما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرة ـ أي حسرةً وندامة ـ يوم القيامة، كما أخبر النبي ﷺ في حديثٍ رواه الترمذي وحسّنه. فاختموا مجالسكم بكفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».

وجاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيءٍ أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» رواه الترمذي وحسّنه.

فعوِّدوا ألسنتكم على ذكر الله، واجعلوا أوقات الانتظار والتنقل عامرةً بالتسبيح والتهليل والاستغفار، وعلِّموا أبناءكم الأذكار، وذكِّروا أهليكم بها، فإنَّ البيت الذي يُذكر الله فيه بيتٌ حي، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه كالقبر.

اللهمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهمَّ اجعلنا من الذاكرين لك كثيراً، ولا تجعلنا من الغافلين. اللهمَّ أحيِ قلوبنا بذكرك، واشرح صدورنا بطاعتك، وطمئن نفوسنا بالقرب منك.

ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.

اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (٢٠١)﴾
[سورة البقرة: ٢٠١]

عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

يجوز للخطباء الاستفادة من هذه الخطبة وإلقاؤها كما هي أو بتصرّف. • تصفّح بقية الخطب من الفهرس
google-playkhamsatmostaqltradent