الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عبادَ الله: إنَّ الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإنَّ صلاحها صلاحٌ للمجتمع كله، وفسادها فسادٌ له. وقد جعل الله الزواج آيةً من آياته، ومنحةً من منحه، فقال سبحانه:
فالمقصد الأعظم من الزواج: السكن والطمأنينة، والمودة والرحمة، وليس مجرد قضاء الشهوة أو التباهي بالمظاهر. وقد وصف الله العلاقة بين الزوجين وصفاً بليغاً، فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكل واحدٍ منهما ستر للآخر، وزينة له، ودفء وراحة.
أيها المؤمنون: لقد جعل الله لكل واحدٍ من الزوجين حقوقاً على الآخر، فقال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإذا أدى كلٌّ منهما ما عليه، عاشت الأسرة في سعادةٍ واستقرار.
فمن حقوق الزوجة على زوجها:
- المعاشرة بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
- النفقة بالمعروف من طعامٍ وكسوةٍ ومسكن، وهي من أعظم الصدقات أجراً، قال ﷺ: «دينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته في رقبة، ودينارٌ تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» رواه مسلم.
- حسن الخلق معها، والصبر على ما يكره منها، قال ﷺ: «لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر» رواه مسلم، أي: لا يبغضها.
- عدم إهانتها أو ضربها أو تقبيحها، والوصية بها خيراً، قال ﷺ: «استوصوا بالنساء خيراً» متفق عليه.
- تعليمها أمور دينها، وإعانتها على طاعة الله.
- حفظ سرها، وعدم إفشاء ما يكون بينهما، قال ﷺ: «إنَّ من أشر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجلَ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشر سرها» رواه مسلم.
ومن حقوق الزوج على زوجته:
- طاعته في المعروف، فإنَّ الله جعل الرجل قيِّماً على الأسرة، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، والقوامة قوامة رعايةٍ ومسؤولية، لا تسلطٍ واستبداد.
- حفظه في نفسها وماله وبيته وأولاده في حضوره وغيبته.
- حسن التبعل له، والتزين له، وعدم الخروج من بيته إلا بإذنه.
- شكر معروفه، وعدم كفران عشرته.
وقد بشَّر النبي ﷺ المرأة الصالحة ببشارةٍ عظيمة، فقال: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ» رواه أحمد وابن حبان. وقال ﷺ: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» رواه مسلم.
عبادَ الله: وإنَّ خير قدوةٍ في الحياة الزوجية نبينا ﷺ، فقد كان خير الناس لأهله، قال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي وصححه. وسُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله ـ تعني خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» رواه البخاري. وكان يسابقها ويلاطفها، ويشرب من موضع فمها، ويستمع إلى حديثها، ويثني على خديجة رضي الله عنها بعد موتها وفاءً لها.
عبادَ الله: وإنَّ مما يُصلح الحياة الزوجية: حسن العشرة، والكلمة الطيبة، والتغافل عن الهفوات، فقد قال ﷺ: «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» رواه مسلم، أي: لا يبغضها بغضاً كلياً، فإنَّ في كل إنسانٍ عيوباً ومحاسن.
ومما يصلحها: التعاون في شؤون البيت، فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
ومما يصلحها: المحافظة على أسرار البيت، وعدم إفشائها للأقارب والأصدقاء، فإنَّ كثيراً من المشكلات الصغيرة تكبر حين يدخل فيها الآخرون. ومما يصلحها: الإنفاق بالمعروف بلا إسرافٍ ولا تقتير، وأن يعرف كل واحدٍ من الزوجين حقوق الآخر عليه، فيؤديها راضياً محتسباً.
أيها المؤمنون: وإذا وقع الخلاف بين الزوجين ـ وهو أمرٌ طبيعي ـ فليكن علاجه بالحكمة والهدوء، والحوار البنَّاء، وتجنب الكلمات الجارحة والتهديد بالطلاق، فإنَّ الطلاق كلمةٌ عظيمة لا يُستهان بها. فإن عجزا عن الإصلاح بينهما، فليُدخلا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، كما أمر الله تعالى، يريدان الإصلاح، فإنَّ الله يقول: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
واحرصا على أن يكون البيت عامراً بذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، فإنَّ البيت الذي يُذكر الله فيه تحضره الملائكة، وتنفر منه الشياطين، وتحل فيه السكينة والبركة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، إمامُ المتقين، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.
عبادَ الله: لا يخلو بيتٌ من خلاف، ولا تسلم حياةٌ زوجية من مشكلات، فالبيوت ليست جنةً بلا عيوب، ولكن البيوت الناجحة هي التي تُحسن إدارة الخلاف بالحكمة والتفاهم والصبر.
وإنَّ الشيطان يحرص على التفريق بين الزوجين أشد الحرص، قال ﷺ: «إنَّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت» رواه مسلم.
ومن أسباب المشكلات الزوجية: الغضب وسرعة الانفعال، وكثرة اللوم والعتاب، والمقارنة بالآخرين، وتدخل الأهل والأقارب، والتقصير في الحقوق، والانشغال بالأجهزة عن الأسرة، وإفشاء الأسرار، والتطلع إلى ما في أيدي الناس.
وعلاجها: بتقوى الله، والحوار الهادئ، والتغافل عن الهفوات، والعفو والصفح، وتقديم التنازلات، وتذكر الفضل والجميل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإن اشتد الخلاف فبالاستعانة بالعقلاء من الأهل، قال تعالى:
واحذروا من التسرع في الطلاق، فإنه وإن أباحه الله عند الحاجة ففيه هدمٌ للأسرة، وتشتيتٌ للأولاد. وليحذر الرجل من التلفظ به عند الغضب، ولتحذر المرأة من طلبه من غير سبب، قال ﷺ: «أيما امرأةٍ سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحة الجنة» رواه أبو داود والترمذي وحسّنه.
اللهمَّ أصلح بيوتنا، وألِّف بين قلوب أزواجنا، واجعل بيوتنا عامرةً بالمودة والرحمة والسكينة. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهمَّ اجمع بين كل زوجين متخاصمين، ويسِّر الزواج للشباب والفتيات، وبارك لهم وبارك عليهم واجمع بينهم في خير.
ثم صلُّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على من أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، ووفقْهم لما تحبُّ وترضى.
اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.
عبادَ اللهِ: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
